فصل: مناسبة الآية لما قبلها:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال ابن عاشور:

{سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ}
مناسبة هذه الفاتحة لما بعدها من السورة بيان أن الكافرين محقوقون بأن تقاتلوهم لأنهم شذوا عن جميع المخلوقات فلم يسبحوا الله ولم يصفوه بصفات الكمال إذ جعلوا له شركاء في الإلهية.
وفيه تعريض بالذين أخلفوا ما وعدوا بأنهم لم يؤدُّوا حق تسبيح الله، لأن الله مستحق لأن يوفى بعهده في الحياة الدنيا وأن الله ناصر الذين آمنوا على عدوّهم.
وتقدم الكلام على نظير قوله: {سبح لله} إلى {الحكيم} في أول سورة الحشر وسورة الحديد.
وفي إجراء وصف {العزيز} عليه تعالى هنا إيماء إلى أنه الغالب لعدوّه فما كان لكم أن تَرهَبُوا أعداءه فتفرّوا منهم عند اللقاء.
وإجراء صفة {الحكيم} إن حملت على معنى المتصف بالحكمة أن الموصوف بالحكمة لا يأمركم بجهاد العدوّ عبثًا ولا يخليهم يغلبونكم.
وإن حملت على معنى المُحكِم للأمور فكذلك.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقولونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2)}
ناداهم بوصف الإِيمان تعريضًا بأن الإِيمان من شأنه أن يزع المؤمن عن أن يخالف فعلُه قوله في الوعد بالخير.
واللام لتعليل المستفهم عنه وهو الشيء المبْهم الذي هو مدلول {ما} الاستفهامية لأنها تدل على أمر مبهم يطلب تعيينه.
والتقدير: تقولون مَا لاَ تفعلون لأي سبب أو لأية علّة.
وتتعلق اللام بفعل {تقولون} المجرور مع حرف الجر لصدارة الاستفهام.
والاستفهام عن العلة مستعمل هنا في إنكار أن يكون سبب ذلك مرضيًا لله تعالى، أي أن ما يدعوهم إلى ذلك هو أمر منكر وذلك كناية عن اللوم والتحذير من ذلك كما في قوله تعالى: {قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل} في سورة البقرة (91).
فيجوز أن يكون القول الذي قالوه وعدًا وعَدوه ولم يفوا به.
ويجوز أن يكون خبرًا أخبروا به عن أنفسهم لم يطابق الواقع.
وقد مضى استيفاء ذلك في الكلام على صدر السورة.
وهذا كناية عن تحذيرهم من الوقوع في مثل ما فعلوه يوم أحد بطريق الرمز، وكناية عن اللوم على ما فعلوه يوم أحد بطريق التلويح.
وتعقيب الآية بقوله: {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا} [الصف: 4] إلخ.
يؤذن بأن اللوم على وعد يتعلق بالجهاد في سبيل الله.
وبذلك يلتئم معنى الآية مع حديث الترمذي في سبب النزول وتندحض روايات أخرى رويت في سبب نزولها ذكرها في (الكشاف).
وفيه تعريض بالمنافقين إذ يظهرون الإِيمان بأقوالهم وهم لا يعملون أعمال أهل الإِيمان بالقلب ولا بالجسد.
قال ابن زيد: هو قول المنافقين للمؤمنين نحن منكم ومعكم ثم يظهر من أفعالهم خلاف ذلك.
وجملة {كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} بيان لجملة {لم تقولون ما لا تفعلون} تصريحًا بالمعنى المكنَّى عنه بها.
وهو خبر عن كون قولهم: {ما لا تفعلون} أمرًا كبيرًا في جنس المقت.
والكِبَر: مستعار للشدة لأن الكبير فيه كثرة وشدة في نوعه.
و{أن تقولوا} فاعل {كبر}.
والمقت: البغض الشديد.
وهو هنا بمعنى اسم المفعول.
وانتصب {مقتًا} على التمييز لِجهة الكبر.
وهو تمييز نسبة.
والتقدير: كبر ممقوتًا قولكم ما لا تفعلونه.
ونُظِم هذا الكلام بطريقة الإِجمال ثم التفصيل بالتمييز لتهويل هذا الأمر في قلوب السامعين لكون الكثير منهم بمِظنة التهاون في الحيطة منه حتى وقعوا فيما وقعوا يوم أُحد.
ففيه وعيد على تجدد مثله، وزيد المقصود اهتمامًا بأن وصف المقت بأنه عند الله، أي مقتٌ لا تسامح فيه.
وعدل عن جعل فاعل {كبر} ضمير القول بأن يقتصر على {كبر مقتًا عند الله} أو يقال: كبر ذلك مقتًا، لقصد زيادة التهويل بإعادة لفظه، ولإِفادة التأكيد.
و{مَا} في قوله: {ما لا تفعلون} في الموضعين موصولة، وهي بمعنى لام العهد، أي الفعل الذي وَعدتم أن تفعلوه وهو أحبّ الأعمال إلى الله أو الجهادُ.
4 فاقتضت الآية أن الوعد في مثل هذا يجب الوفاء به لأن الموعود به طاعة فالوعد به من قبيل النذر المقصودِ منه القُربة فيجب الوفاء به.
{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (4)}
هذا جواب على تمنيهم معرفةَ أحب الأعمال إلى الله كما في حديث عبد الله بن سَلام عند الترمذي المتقدم وما قبله توطئة له على أسلوب الخطب ومقدماتها.
والصف: عَدد من أشياء متجانبة منتظمة الأماكن، فيطلق على صف المصلين، وصفِّ الملائكة، وصف الجيش في ميدان القتال بالجيش إذا حضر القتال كان صفًّا من رَجَّالة أو فرسان ثم يَقع تقدم بعضهم إلى بعض فرادى أو زرافات.
فالصفّ هنا: كناية عن الانتظام والمقاتلة عن تدبّر.
وأما حركات القتال فتعرض بحسب مصالح الحرب في اجتماع وتفرق وكرّ وفّر.
وانتصب {صفًا} على الحال بتأويل: صافّين، أو مصفوفين.
والمرصوص: المتلاصق بعضه ببعض.
والتشبيه في الثبات وعدم الانفلات وهو الذي اقتضاه التوبيخ السابق في قوله: {لم تقولون ما لا تفعلون} [الصف: 2]. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

قال التستري:
قوله تعالى: {يا أيها الذين آمَنُواْ لِمَ تَقولونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} [2] قال: إن الله هدد عباده على دعواهم من غير تحقيق، والدعوى أن يلزمه اليوم حق من حقوق الله براءة وتوبة من كل ذنب ارتكبه، فيقول غدًا أعمل، وما من أحد ادعى إلا وقد ضيع حق الله من وجهين، ظاهر وباطن، ولا يكون المدعي خائفًا، ومن لم يكن خائفًا لم يكن آمنًا، ومن لم يكن آمنًا لم يكن يطلع على الجزاء.
وقال: طلاب الآخرة كثيرة، والذي يتولى الله كفايته عبدان، عبد ساذج غير أنه صادق في طلبه، متوكل على الله، فيصدقه فيكفيه مولاه، ويتولى جميع أموره؛ وعبد عالم بالله وبأيامه وأمره ونهيه، كفاه الله كل شيء من هذه الدنيا، فإذا صار إلى الآخرة ما سوى هذين لا يعبأ الله بهم، لأنهم يدعون ما ليس لهم.
وقال ابن عيينة في هذه الآية: لم تقولون ما ليس الأمر فيه لكم، لا تدرون تفعلون ذلك أم لا تفعلون. اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

قال مجد الدين الفيروزابادي:
بصيرة في البنيان:
وقد ورد في القرآن على أَربعة أَوجهٍ:
الأَوّل: بمعنى الصّرح، والقصر العالي: {فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ} بنيانَهم: أي صَرْحهم.
الثاني: بمعنى المسجد: {فَقالواْ ابْنُواْ عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا} مسجدا {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ}، {لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا} أي مسجدهم.
الثالث: بمعنى بيت النار: {قالواْ ابْنُواْ لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ}.
الرّابع: بمعنى تشبيه صَفّ الغازين بالجدران المرصوصة: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ}.
والبنيان واحد لا جمع له.
وقال بعضهم: جمع واحدته بُنْيَانة، على حدّ نخلة ونخل.
وهذا النَّحوُ من الجمع يصحّ تذكيره وتأْنيثه.
وابْنٌ أَصله بَنَىٌ لقولهم في الجمع: أَبناءٌ، وفي التّصغير بُنىّ.
وسمّى بذلك؛ لكونه بناءً للأَب؛ فإِنَّ الأَب قد بناه.
ويقال لكلّ ما يحصل من جهة شيءٍ، أَو من تربيته أَو بتفقده، أَو كثرة خدمته له، وقيامه بأَمره: هو ابنه؛ نحو فلانٌ ابن الحرب، وابن السّبيل للمسافر.
وابن بطنِه، وابن فرجه إِذا كان همّه مصروفًا إِليهما، وابن يومه إِذا لم يتفكَّر في غدِه.
وجمع ابن أَبناءُ، وبنون.
ومؤنَّثه ابنة وبنت.
والجمع بنات.
وقوله: {هؤلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ}، وقوله: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ} فقد قيل: خاطب بذلك أَكابر القوم، وعَرَض عليهم بناته، لا أَهلَ قريته كلَّهم؛ فإِنَّه محال أَن يعرض بنات قليلة على الجمّ الغفير.
وقيل: بل أَشار بالبنات إِلى بنات أُمّته.
سمّاهنّ بنات له؛ لكون النبي بمنزلة الأَب لأُمّته، بل لكونه أَكبر الأَبوين لهم.
وقوله: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ} يريد به قولهم: الملائكة بنات الله. اهـ.

.تفسير الآيات (5- 6):

قوله تعالى: {وَإِذْ قال مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (5) وَإِذْ قال عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قالوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (6)}

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما كان التخلف عن أمر الله تعالى والغفلة عن شيء يؤدي تركه إلى التهاون به والإخلال بأدب من آدابه موجبًا للكون في صف الشيطان ومفارقة حزب الرحمن، فيكون أذى الرسول صلى الله عليه وسلم، فيوجب ذلك الشقاء كله لأنه جدير بأن يجر إلى أكبر منه إلى أن تحيط الخطايا فتبيح الرزايا، وكان للتذكير بالمشاهدات والأمور الواقعات ما ليس لغيره في التأديب ومرجع الترهيب، ذكر بما كان لبني إسرائيل ترهيبًا من مثل حالهم، لئلا يوقع في نكالهم، حين تقاعسوا عما أمروا به من فتح بيت المقدس من الله تعالى غضب من فعلهم ذلك فسماهم فاسقين وضربهم بالتيه أربعين سنة، وأمات في تلك الأربعين كل من توانى منهم في ذلك، فلم يدخل إلى بيت المقدس منهم أحد، فحرموا البلاد التي تقاعدوا عن فتحها، وهي بعد مكة والمدينة خير بلاد الله تعالى ومهاجر أبيهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام ومواطن أبويهما إسحاق ويعقوب عليهما الصلاة والسلام وأنزه الأرض، وأكثرها خيرًا وأبركها، مع ما كانوا فيه من الضيق والنكد من التيه الذي هو طرد عن جناب الله بما أراد- بما أشار إليه التعبير عن زمنه بالسنين- إلى ما أبقوا بعدهم نم سوء الذكر وشناعة القالة إلى آخر الدهر فقال تعالى: {وإذ} عطفًا على ما تقديره: اذكروا ما فعل بعضكم- بما أشرت إليه أول هذه الآيات من الآداب من تنبيه الكفار بما قد يمنع من الفتح أو يكون سببًا في عسره أو في إهلاك خلق كثير من عبادي الذين خلقتهم في أحسن تقويم من المؤمنين وغيرهم، أو من الفرار من الكفار عند المقارعة، أو التقاعس عن اللقاء عند البعث عليه، فآذى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أذاه من أذى الله فحلم عنكم، وقبل بما له من بليغ الرحمة بكم والشفقة عليكم منكم، وكان أنهى ما عاتبكم به مرسله سبحانه النداء بما هو أدنى الأسنان في الإيمان في نظير إطلاقه على بني إسرائيل الفسق بالوصف المؤذن بالرسوخ: واذكروا حين {قال موسى لقومه} وهم- مع كونه منهم- ممن له قوة على ما يحاولونه: {يا قوم} استعطافًا لهم واستنهاضًا إلى رضا ربهم {لم تؤذونني} أي تجددون إذائي مع الاستمرار بالتواني في أمر الله والتقاعد عن فتح بيت المقدس مع قولي عن الله أنكم فاتحوها إن أطعمتموه وأن الله أقسم لآبائكم أنه ما نحكموها لا محالة.
ولما كان هذا الاستفهام الإنكار موجبًا لتوقع ما يأتي بعده من موجب التعظيم بدل الأذى، والتبجيل والانقياد موضع التوقف والإباء، قال محققًا بحرف التحقيق مضمون الكلام: {وقد} أي والحال أنكم {تعلمون} أي علمتم قطعيًا مع تجدده لكم في كل وقت بتجدد أسبابه بما آتيتكم به من المعجزات وبالكتاب الحافظ لكم من الزيغ {أني رسول الله} أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له ورسوله أيضًا يعظم ويحترم لا أنه تنتهك جلالته وتخترم {إليكم} لا أقول لكم شيئًا إلا عنه، ولا أنطق عن الهوى، فعصياني عصيانه مع أني ما قلت لكم شيئًا إلا تم، وإن كنتم قاطعين بخلافه فهي معصيته لا حامل عليها أصلًا إلا رداءة الجبلات.
ولما تحنن إليهم واستعطفهم وذكرهم ما يعلمون من رسليته وصلته بالله بما شاهدوا من الآيات التي هي أعظم الإحسان إليهم، أعلم أنهم أوشكوا العصيان، فقال معبرًا عن ذلك بالفاء تسبيبًا عن هذا القول الذي هو أهل لأن يسبب الثبات وتعقيبًا وتقريبًا: {فلما زاغوا} أي تحقق زيغهم عن قرب عن أوامر الله في الكتاب الآتي إليهم بما أبوا من قبول أمره في الإقدام على الفتح {أزاغ الله} أي الذي له الأمر كله {قلوبهم} من الاستواء، وجمع الكثرة يدل على أنه لم يثبت منهم إلا القليل فهزمهم بين يدي أعدائهم وضربهم بالتيه لأنهم فسقوا عن أمر الله {فالله}- لا يهديهم، فأسند الذنب إليهم والعقوبة إليه وإن كان الكل فعله تعليمًا لعباده الأدب وإعلامًا بأن أفعالهم الاختيارية ينسب إليهم كسبها ويقوم به الحجة عليهم لعدم علمهم بالعاقبة {والله} أي الملك الأعظم الذي له الحكمة البالغة لأنه المستجمع لصفات الكمال {لا يهدي} أي بالتوفيق بعد هداية البيان {القوم الفاسقين} أي العريقين في الفسق الذين لهم قوة المحاولة فلم يحملهم على الفسق ضعف، فاحذروا أن تكونوا مثلهم في العزائم فتساووهم في عقوبات الجرائم- انتهى.
ولما كان أذى النبي صلى الله عليه وسلم بمخالفة أمره تارة يكون مع العلم برسالته والإقرار بها وتارة مع الإنكار، وقدم العتاب على ما كان منه على تقدير التصديق، وذكر فيه بقصة موسى عليه الصلاة والسلام الذي كانوا يؤذونه مع العلم برسالته، وهدد بما اتفق لهم من زيغ القلوب التي هي عماد الأبدان وصلاح الإنسان، أتبعه ما يكون منه عند فرض الإنكار.
ولما كان رد المنكر تارة بالعقل وتارة بالنقل، وكان الذي بالعقل يكون بنظر المعجزات ولاسيما إخراج الخبء وقد كان منه في قصة حاطب رضي الله تعالى عنه في إخراج كتابه الذي اجتهد في إخفائه واجتهدت الظعينة الحاملة له في كتمانه ما فيه مقنع في العلم بالرسالة وتحقق الجلالة، أتبع ذلك دليلًا نقليًا تأييدًا للعقل مع كونه دليلًا على صحة الإخبار بإزاغة قلوب بني إسرائيل جزاء على زيغهم عن الحق فقال: {وإذ} أي واذكروا حين {قال عيسى} ووصفه بما حقق من هو فقال: {ابن مريم} أي لقوم موسى عليهما الصلاة والسلام الذين أرسل إليهم وثبتت نبوته لديهم بالمعجزات مع إخلاص الدعوة لله وتصديق من كان قبله من أهل الله: {يا بني إسرائيل} وذكرهم بما كان عليه أبوهم من الدين وما وصى به نبيه من التمسك بالإسلام، ولم يعبر بالقوم كما قال موسى عليه الصلاة والسلام لأنه لا أب له فيهم وإن كانت أمه منهم، فإن النسب إنما هو من جهة الأب، وأكد لإنكار بعضهم فقال: {إني رسول الله} أي الملك الأعظم الذي أحاط علمه بكل شيء {إليكم} أي لا إلى غيركم، حال كوني {مصدقًا} نصبه بما في الرسول من رائحة الفعل ولا ينصب بـ: {إليكم} لأنه صفة للرسول، وحروف الجر لا تعمل بأنفسها بل بما فيها من معنى الفعل، فإذا كانت صلات لم تكن متضمنة لمعنى فعل فلا تعمل، وهو الحرف الذي يسمى في غير (الكتاب العزيز) لغوًا {لما بين يدي} أي تقدمني وكان من قبلي {من التوراة} التي تعلمون أن الله تعالى أنزلها على موسى عليه الصلاة والسلام وهي أول الكتب التي نزلت بعد الصحف وحكم بها النبيون، فتصديقي لها مع تأييدي لها مؤيد لأن ما أقمته من الدلائل حق ومبين أنها دليلي فيما لم أنسخه منه كما يستدل الإنسان بما قدامه من الأعلام ويراعيه ببصره.
ولما ذكر أول الكتب ذكر أيضًا أول الأنبياء خلقًا وآخرهم بعثًا وهو آخر الرسل ليكون في ذلك إشارة إلى أن البشارة به في التوراة والإنجيل فقال: {ومبشرًا} أي في حال تصديقي للتوراة.
ولما كانت رسالته صلى الله عليه وسلم عامة لجميع الخلق لم يذكر في رسالته حرف الغاية كما ذكر في الرسالتين المذكورتين قبل فقال: {برسول} أي إلى كل من شملته المربوبية {يأتي} ولما كان إتيانه بعده بمدة طويلة أدخل الجار فقال: {من بعدي} ولما كان الإتيان بغاية البيان وإزاحة اللبس بكل اعتبار أقعد في العتاب لمن هفا بعده والأخذ لمن جفا فنقض عهده، أتى بالاسم الذي ما شارك النبي صلى الله عليه وسلم فيه أحد في زمانه ولا قبله أصلًا، ووزنه دال على المبالغة في معناه فقال: {اسمه أحمد} أي دال على أنه أبلغ الخلق حامدًا ومحمودًا وهو اسمه صلى الله عليه وسلم في السماء التي سيصير إليها هذا المبشر، وفي تخصيصه بالذكر احتراز عن أن يتوهم أن البعدية في الرتبة لأنه يليح بتصديره بالهمزة التي هي أول الحروف مخرجًا وأشد حروف الحلق الذي هو أول المخارج وتضمينه الميم إلى أنه صلى الله عليه وسلم كما أنه خاتم بما أشار إليه أشهر أسمائه وأعظمها (محمد) لابتدائه بالميم التي هي أمكن حروف الشفة التي هي خاتمة للحروف لأن مخرجها آخر المخارج، لا نبي بعده فهو فاتح مقدم باعتبار الذكر والشرف والحكم بالوصف الشريف لا نبي قبله في الخلق وجبت له النبوة وإن آدم لمنجدل في طينه وبين الروح والجسد كما في الحديث الذي أخرجه أحمد عن ميسرة الفجر رضي الله عنه والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه وأخرجه البيهقي في أول دلائل النبوة وقال: إن معناه أنه كذلك في قضاء الله وتقديره، وكأنه يريد قضاء مكتوبًا في أم الكتاب ومذكورًا لمن أراد من الملائكة قبل إتمام خلق آدم عليه الصلاة والسلام فإنه يحتمل أنه سبحانه وتعالى لما صور آدم عليه الصلاة والسلام جعل طينته شفافة تشف عن ذريته وجعل لصالحيهم نورًا يرى دون غيره، فلما رأوا أعظمهم نورًا سألوا عنه فأخبرهم سبحانه وتعالى به وأثبت ما أراد من أوصافه في أم الكتاب كما أنه كان نبيًا بالإخبار في دعوة أبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام وببشارة عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام وبأمارات النور الذي خرج من أمه كما في الحديث الذي رواه البيهقي في الدلائل وغيره عن العرباض بن سارية رضي الله عنه «إني عبد الله وخاتم النبيين» وفي رواية «إني عبد الله لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته وسأخبركم عن ذلك؛ دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى بي ورؤيا أمي التي رأت»، وكذلك أمهات النبيين يرين وأن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم رأت حين وضعته نورًا أضاءت له قصور الشام، فتأويل ذلك بذكره سبحانه له لملائكته مثل تأويله بدعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام في قوله تعالى حكاية عنه {ربنا وابعث فيهم رسولًا منهم يتلو عليهم آياتك ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة} [البقرة: 129] وبشارة عيسى عليه الصلاة والسلام في مثل حكايته عنه في هذه الآية، وتأويله بالنور الذي رأت أمه مثل تأويله بالنور الذي يحتمل أن يكون الملائكة عليهم السلام رأوا في شفاف طينة آدم عليه السلام والله سبحانه وتعالى أعلم.
وكانت سورة القتال أحق باسمه الدال على الختم لأن الختام محتاج إلى علاج في لأم ما كان من صدع الافتراق، وكذا سورة الفتح لما يلزمه من محاولة المنغلق وإزالة الأغلاق، وختام السورتين بالميم عظيم المناسبة لذلك لأن الميم اسم لتمام الظاهر المقام بالألف، وإلى ذلك إشارة رسم ألف التنوين في الفتح بعد الميم مع أنه لا يخلو من إشارة إلى أنه الفاتح مع كونه الخاتم، ويؤيد ذلك افتتاح السورة بأول حروف الاسم المليح إلى الفتح، وكانت هذه السورة أحق به لأنه أدل دال على الاتفاق واجتماع الكلمة دون اختلاف وافتراق، كما كان عند نزول آدم عليه الصلاة والسلام وبعده بمدة، وإلى ذلك أشار ختمها وختم نظيرتها الصافات بالنون الذي هو مظهر مبين محيط بما أظهره، فهو مبشر لهذه الأمة بالاجتماع والظهور على الاسم الذي يحيط آخره بجميع أهل الأرض على زمن المبشر عيسى عليه السلام المؤيد للمبشر به بتجديد أمره وإقامة دينه صلى الله عليه وسلم، وآخر هذه نتيجة آخر الصافات بالحمد الذي هو الإحاطة بأوصاف الكمال- والله تعالى أعلم بالصواب.
ذكر ما يصدق هذه الآية من الإنجيل من تصديقه للتوراة وبشارته بأحمد صلى الله عليه وسلم، قال: وكان رجل مريض اسمه العازر من بيت عنيا وهو أخو مريم ومرتا، فأرسلت الأختان إلى يسوع أن الذي تحبه مريض، فأقام في الموضع الذي هو فيه يومين ثم قال لتلاميذه: امضوا بنا إلى اليهودية، فقال له تلاميذه: الآن يا معلم أراد اليهود رجمك وأنت تريد المضي إليهم، فقال: إن العازر حبيبنا قد نام، فأنا انطلق فأوقظه، فقال: يا سيدنا، إن كان نائمًا فهو يستيقظ، فقال العازر مات، فأقبلوا إلى بيت عنيا، فإذا له أربعة أيام في القبر وكانت بيت عنيا من يروشليم على نحو خمس عشرة غلوة، وكان كثير من اليهود قد جاؤوا إلى مرتا ومريم يعزوهما، فلما سمعت مرتا بقدوم يسوع خرجت لتلقاه فقالت له: يا سيد، لو كنت هاهنا لم يمت أخي وأنا أعلم أن الله يعطيك كل ما سألته، قال: سيقوم أخوك، قالت: أنا أعلم أنه سيقوم في القيامة، ثم جاءت مريم للقائه، فظن اليهود الذين كانوا يعزونها أنها تذهب إلى القبر فتبعوها، فلما انتهت إلى المكان الذي كان فيه يسوع خرت على قدميه ساجدة، فلما رآها تبكي ورأى اليهود الذين كانوا معها قال: أين وضعتموه؟ فقالوا له: يا سيد، تعالى وانظر، فدمع يسوع فقال اليهود: انظروا كيف كان يحبه، فقال ناس منهم: أما كان هذا الذي فتح عيني الأعمى يقدر أن يجعل هذا لا يموت، فجاء إلى القبر وكان مغارة وعليه حجر موضوع فقال: ارفعوا الصخرة، فقالت له مرتا أخت الميت: يا سيد، إنه قد أنتن لأن له أربعة أيام، قال لها يسوع: ألم أقل لك إن آمنت رأيت مجد الله، فرفعوا الصخرة فرفع يسوع بصره إلى فوق وقال: أشكرك، لأنك تسمع لي، أقول هذا من أجل هذا الجمع ليؤمنوا أنك أرسلتني، قال هذا القول ونادى بصوت عظيم وصاح: عازر اخرج، فخرج الميت ويداه ورجلاه ملفوفة باللفائف ووجهه ملفوف بعمامة، فقال يسوع: حلوه ودعوه يمضي، وإن كثيرًا من اليهود الذين جاؤوا إلى مريم لما رأوا ما صنع يسوع آمنوا، ومضى قوم منهم إلى الفريسيين فأخبروهم، فجمع عظماء الكهنة والفريسيون محفلًا فقالوا: ماذا نصنع إذ كان هذا الرجل يعمل آيات كثيرة وإن تركناه فيؤمن به جميع الناس وتأتي الروم فتنقلب على أمتنا وموضعنا، وإن واحدًا منهم اسمه قيافًا كان أعظم الكهنة في تلك السنة قال لهم: إنه خير لنا أن يموت واحد من الشعب من أن تهلك الأمة كلها- إلى آخر ما مضى في النساء عند قوله تعالى: {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم} [النساء: 157] الآيات، نرجع إلى متى قال: حينئذ ذهب الفريسيون وتشاوروا ليصطادوه بكلمة فأرسلوا إليه تلاميذهم والهردوسيين قائلين: يا معلم، قد علمنا أنك محق وطريق الله بالحق تعلم ولا تبالي بأحد ولا تنظر لوجه إنسان فقل لنا ما عندك، أيجوز لنا أن نعطي الجزية لقيصر أم لا؟ فعلم يسوع شرهم فقال: لماذا تجربوني يا مراءون أروني دينار الجزية، فأتوه بدينار فقال لهم يسوع: لمن هذه الصورة والكتابة؟ فقالوا: لقيصر، حينئذ قال لهم: أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله، فلما سمعوا تعجبوا وتركوه ومضوا، وقال يوحنا: فقال يسوع: أنا ماكث فيكم زمانًا يسيرًا، ثم انطلق إلى من أرسلني وتطلبوني فلا تجدوني، وحيث أكون أنا لستم تقدرون على المجيء إلي فقال اليهود فيما بينهم: إلى أين هذا مزمع أن يذهب حتى لا نجده، لعله مزمع أن يذهب إلى من في اليونانيين، وقال متى: وفي اليوم جاء إليه الزنادقة القائلون: ليس قيامة، وسألوه- فذكر سؤالهم وجوابه لهم إلى أن قال في آخر جوابه: أما قرأتم ما قيل لكم من الله، وقال مرقس: في سفر موسى قول الله على العوسج إذ قال: أنا هو إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب وأنتم تضلون كثيرًا، وعبارة لوقا: فقد نبأ بذلك موسى في العليقة كما قال الرب: أنا إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب، وقال متى: فلما سمع الجمع بهتوا من تعليمه، فلما سمع ذلك الفريسيون أنه قد أبكم الزنادقة اجتمعوا عليه جميعًا وسأله كاتب منهم ليجربه قائلًا، يا معلم! أي الوصايا أعظم في الناموس؟ قال له يسوع: تحب الرب إلهك من كل قلبك، وقال: اسمع، يا إسرائيل، الرب إلهك واحد هو، تحب إلهك من كل قلبك- انتهى، ومن كل نفسك ومن كل فكرك، هذه الوصية الأولى العظيمة، والثانية التي تشبهها أن تحب قريب مثل نفسك، قال مرقس: ليس وصية أعظم من هاتين- انتهى، في الوصيتين سائر الناموس والأنبياء يتعلق، قال مرقس: فقال له الكاتب: فحينئذ يا معلم الحق قلت أنه واحد ليس آخر غيره، وأن تحبه من كل القلب ومن كل النية ومن كل النفس ومن كل القوة، وتحب القريب مثلك، هذه أفضل من جميع الذبائح والمحترقات، فلما رأى يسوع عقله أجابه قائلًا: لست بعيدا من ملكوت الله، وقال لوقا: فقال ليسوع: ومن هو قريبي؟ قال يسوع: كان رجل نازلًا من يروشليم إلى أريحا، فوقع بين اللصوص فسلبوه وجرحوه ومضوا وتركوه مثخنًا قريب الموت، واتفق أن كاهنًا نزل في تلك الطريق فأبصره وجاز، وكذلك لاوي جاء إلى المكان فأبصره وجاز، وإن سامريًا جاز به، فلما رآه تحنن ودنا منه وضمد جراحاته وحمله على دابته وجاء به إلى الفندق وعني بأمره، وفي الغد أخرج بدينارين أعطاهما لصاحب الفندق وقال: اهتم به فإن أنفقت عليه أكثر من هذين دفعت لك عند عودتي، فمن من هؤلاء الثلاثة تظن أنه قد صار قريبًا للذي وقع بين اللصوص، فقال له: الذي صنع معه رحمة، فقال له يسوع: اذهب أنت وافعل هكذا، وقال مرقس: فلم يتجرأ أحد أن يسأله ثم قال: وكانت جماعة كثيرة يسمعون منه بشهوة، وقال يوحنا: وآمن باسمه عند كونه بإيروشليم في عيد الفسح كثير لأنهم عاينوا الآيات التي عمل، ثم قال: وكان رجل من الفريسيين اسمه نيقوديميس رئيسًا لليهود أتى إلى يسوع ليلًا وقال له: يا معلم نحن نعلم أنك من الله أتيت معلمًا لأنه ليس بقدر أحد أن يعمل هذه الآيات التي تعمل أنت إلا من كان الله معه، قال متى: وحينئذ كلم يسوع الجمع وتلاميذه وقال: على كرسي موسى جلس الكتبة والفريسيون وكل ما قالوه لكم احفظوه أنتم وافعلوه، ومثل أعمالهم لا تصنعوا لأنهم يقولون ولا يفعلون، لأنهم يربطون أحمالًا ثقالا صعبة الحمل ويحملونها على أعناق الناس ولا يريدون أن يحركوها بإصبعهم، وكل أعمالهم يصنعونها لكي يراؤوا الناس، يعرضون أرديتهم ويعظمون أطراف ثيابهم، ويحبون أول الجماعات في الولائم وصدور المجالس في المجامع والسلام في الأسواق، وأن يدعوهم الناس معلمين، فأما أنتم فلا تدعوا لكم معلمًا على الأرض ولا مدبرًا فإن مدبركم واحد هو المسيح، وأنتم جميعًا إخوة، ولا تدعوا لكم أبًا على الأرض فإن أباكم واحد، هو الذي في السماوات، والكبير الذي فيكم يكون لكم خادمًا، فمن رفع نفسه اتضع، ومن وضع نفسه ارتفع، الويل لكم أيها الكتبة والفريسيون، لأكلكم بيوت الأرامل والأيتام، لعلة تطويل صلاتكم، ومن أجل هذا تأخذون أعظم دينونة، الويل لكم أنكم تغلقون ملكوت السماوات قدام الناس فلا أنتم تدخلون ولا تتركون الداخلين يدخلون، الويل لكم أنكم تطوفون البر والبحر لتصطفوا غريبًا واحدًا، فإذا صار صيرتموه لجهنم ابنًا مضعفًا، لكم الويل يا أيها الهداة العميان الذين يقولون: من حلف بالهيكل فليس عليه شيء، ومن حلف بذهب الهيكل يخطئ، أيها الجهال العمي أيما أعظم؟ الذهب أن الهيكل الذي يقدس الذهب، ومن حلف بالمذبح فلا شيء، ومن حلف بالقربان الذي فوقه فهو يخطئ يا جهال وعميان، أيما أعظم؟ القربان أم المذبح الذي يقدس القربان؟ ومن حلف بالمذبح فقد حلف به وبكل ما فوقه، ومن حلف بالهيكل فهو يحلف به وبالساكن فيه، ومن حلف بالسماء فهو يحلف بكرسي الله وبالجالس عليه، الويل لكم أنكم تعشرون الشبث والنعنع والكمون وتتركون أثقل الناموس الحكم والرحمة والإيمان، وقال لوقا: تعشرون النعنع والسداب وكل البقول، وترفضون حكم الله ومحبته، قد كان ينبغي أن تعقلوا هذا ولا تغفلوا عن تلك- انتهى، يا هداة عيمان الذين يتركون البعوضة ويبلعون الجمل، الويل لكم أنكم تنقون خارج الكأس والسكرجة وداخلهما مملوء اختطافًا وظلمًا، أيها الأعمى، نق أولًا داخل الكأس والسكرجة لكيما يتطهر خارجهما، وقال لوقا: اعطوا الرحمة فكل شيء يتطهر لكم- الويل لكم لأنكم لا تشبهون القبور المكلسة التي ترى من خارجها حسنة وداخلها مملوء عظام الأموات وكل نجس، وقال لوقا: لأنكم مثل القبور المخفية والناس يمشون عليها ولا يعلمون- انتهى.
وكذلك أنتم ترون الناس ظواهركم مثل الصديقين، ومن داخل ممتلئون إثمًا ورياء، قال لوقا: وأنتم أيها الكتبة الويل لكم لأنكم تحملون أوساقًا وأثقالا وأنتم لا تدنون منها بإحدى أصابعكم، الويل لكم لأنكم أخذتم مفاتيح الغرفة فما دخلتم، ومنعتم الذين يريدون الدخول- انتهى، الويل لكم لأنكم تبنون قبور الأنبياء، قال لوقا: الذين قتلهم آباؤكم- انتهى، وتزينون مدافن الصديقين وتقولون: لو كنا في أيام آبائنا لم نشاركهم في دم الأنبياء، فأنتم تشهدون على أنفسكم أنكم أبناء قتلة الأنبياء إنكم تكملون مكيلة آبائكم، أيها الحيات أولاد الأفاعي كيف تهربون من دينونة جهنم، من أجل هذا أرسل إليكم أنبياء وحكماء وكتبة فتقتلون منهم وتصلبون وتجلدون منهم في مجامعكم وتطردونهم من مدينة إلى مدينة لكي يأتي عليكم دم الصديقين المسفوك على الأرض، وقال لوقا: وأنتم تشهدون وتسرون بأعمال آبائكم لأنهم قتلوهم وأنتم تبنون قبورهم، ولهذا قالت حكمة الله: هو ذا أرسل إليهم أنبياء ورسلًا فيقتلون منهم ويطردونهم لينتقم عن دم جميع الأنبياء الذي أهريق من أول العالم إلى هذا الجيل.
وقال متى: من دم هابيل الصديق إلى دم زكريا بن براشيا الذي قتلتموه بين الهيكل والمذبح، الحق أقول لكم إن هذا كله يأتي على هذا الجيل، يا أروشليم، يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها كم من مرة أردت أن أجمع بنيك فيك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها فلم تريدوا، هوذا يترك بينكم لكم خرابًا، أنا أقول لكم: إني لا تروني من الآن حتى تقولوا: مبارك الآتي باسم الرب، وقال مرقس: ثم جاء يسوع عند باب الخزانة ينظر الجمع يلقي نحاسًا في الخزانة وأغنياء كثير ألقوا كثيرًا، فجاءت امرأة أرملة مسكينة، فألقت فلسين فاستدعى تلاميذه وقال لهم: الحق أقول لكم، إن هذه الأرملة المسكينة ألقت أكثر من الكل الذين ألقوا في الخزانة، لأن الكل القوا من فضل ما عنده، وهذه ألقت مع مسكنتها كل ما لها، ثم خرج من الهيكل- انتهى.
هذا ما فيه الدلالة على الرسالة وتصديق التوراة، وأما البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم فقد تقدم في هذا الكتاب مفرقًا في السور كالأعراف والنساء وغيرهما، وقال ابن هشام في تهذيب السيرة النبوية جمع ابن إسحاق، قال ابن إسحاق: وقد كان فيما بلغني عما كان وضع عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام فيما جاءه من الله تعالى في الإنجيل لأهل الإنجيل من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أثبت يحنس الحواري لهم حين نسخ لهم الإنجيل عن عهد عيسى ابن مريم في رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم أنه قال: من أبغضني فقد أبغض الرب، ولولا أني صنعت بحضرتهم صنائع لم يصنعها أحد قبلي ما كانت لهم خطيئة، ولكن من الآن بطروا وظنوا أنهم يعزونني وأيضًا للرب ولكن لابد أن تتم الكلمة التي في الناموس أنهم أبغضوني مجانًا أي باطلًا فلو قد جاء المنحمنا هذا الذي يرسله الله إليكم من عند الرب روح القدس هذا الذي من عند الرب خرج فهو شهيد عليّ وأنتم أيضًا لأنكم قديمًا كنتم معي في هذا قلت لكم لكي لا تشكوا.
فالمنحمنا بالسريانية محمد صلى الله عليه وسلم وهو بالرومية البارقليطس- انتهى.
ولما تم الدليل النقلي على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعلى كونه أشرف الأنبياء فاتحًا لهم وخاتمًا عليهم، دل على إلزام بني إسرائيل الزيغ فقال: {فلما جاءهم} أي عيسى أو محمد صلى الله عليه وسلم بني إسرائيل وغيرهم {بالبينات} أي من المعجزات العظيمة التي لا يسوغ لعاقل إلا التسليم لها ومن الكتاب المبين {قالوا} أي عند مجيئها سواء من غير نظرة لتأمل ولا غيره: {هذا} أي المأتي به من البينات أو الآتي بها على المبالغة كما دل عليه قراءة حمزة {ساحر} إشارة بالإشارة إلى القريب بعد الإشارة- بفاء التعقب إلى شدة اتصال الكفر بأول أوقات المجيء: {سحر} فكانوا أول كافر به، لأن هذا وصف لهم لازم سواء بلغهم ذلك وهم بمفردهم أو منضمًا إليهم غيرهم {مبين} أي في البيان في سحريته حتى أن شدة ظهوره في نفسه لكل من رآه أنه سحر عنادًا منهم ومكابرة للحق الذي لا لبس فيه. اهـ.